ابن عجيبة
185
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
ولمّا أمر عباده بالشكر أمرهم بمقام الصبر لأنه أخوه في ضده ؛ إذ الشكر في النعمة والصبر في البلية ، فقال : [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 153 إلى 157 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ( 153 ) وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ ( 154 ) وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ( 155 ) الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ ( 156 ) أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ( 157 ) قلت : ( أحياء ) و ( أموات ) خبران عن مبتدأ مضمر ، والابتلاء هو الاختبار ، حيثما ورد في القرآن ، ومعناه في حقه تعالى : أنه يظهر في الوجود ما في علمه لتقوم الحجة على العبد ، وليس كاختبار الناس بعضهم بعضا ؛ لأن اللّه علم ما كان وما يكون ، والصلاة هنا المغفرة والتطهير ، والرحمة : اللطف والإحسان . يقول الحق جل جلاله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا على نيل رضواني وبرّى وإحسانى بِالصَّبْرِ على مشاق الطاعات وترك المعاصي والهفوات ، وبالصلاة التي هي أم العبادات ، ومحل المناجاة ومعدن المصافاة ، فيها تشرق شوارق الأنوار ، وتتسع ميادين الأسرار ، وهي معراج أرواح المؤمنين ومناجاة رب العالمين ، فإن تجرعتم مرارة الصبر فإن اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ، وأعظم مواطن الصبر عند مفارقة الأحباب ، وذهاب العشائر والأصحاب ، فإن كان موتهم في الجهاد فلا ينبغي لأجلهم أسف ولا نكاد ؛ لأنهم أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ، وكذلك من ألحق بهم من ذي هدم وغرق وحرق ونفاس وطاعون ، فلا تقولوا لمن يقتل فِي سَبِيلِ اللَّهِ من هؤلاء : هم أَمْواتٌ ، بَلْ هم أَحْياءٌ حياة روحانية لا بشرية ، وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ بحياتهم لأنهم مجرد أرواح ، وأنتم قد لبستم طلسم الأشباح ، فاختفى عنكم مقام الأرواح ، وكذلك أرواح المؤمنين كلهم أحياء . وإنما خص الشهداء لمزيد بهجة وكرامة . وإجراء رزقهم عليهم دون غيرهم ، ففي الحديث : « أرواح الشّهداء في حواصل طير خضر تعلق من ورق الجنة » . أي : تأكل ، وفي حديث آخر : « يخلق اللّه الشهداء جسوما على صورة طير خضر ، فتكون في حواصلها ، فتسرح بها في الجنة ، وتأكل من ثمارها ، وتنال من خيراتها ونعيمها ، حتى تحشر منها يوم القيامة » .